صورة anonymous

الإمام الزهواني


رشيد نيني - raninyster@gmail.com

عندما قرأت خبر إمام المسجد الذي أفلت في فاس من أيدي ثلاثة آلاف غاضب طوقوا بيته وطالبوا برأسه ورأس الفتاة التي استضافها عنده، حضرت في مخيلتي صور التحقيق الذي بثته إحدى الفضائيات مؤخرا لرجال طمروا رجلا اتهموه بممارسة الزنى ولم يتركوا ظاهرا منه سوى رأسه وشرعوا يتنافسون حول رجمه بالحجارة. أحدهم اقترب من الرجل ورفع حجرا ثقيلا وهوى به على رأسه الذي كادت تغطيه الحجارة. بعد ذلك، مرت صورة مؤلمة لفتاة نحيلة في السادسة عشرة من عمرها جالسة القرفصاء وفوق رأسها رجل يجلد ظهرها بعصا.
هؤلاء، حسب الصحافي الذي أعد التقرير، كانوا ينفذون أحكاما شرعية في إحدى محافظات السودان، دون أن تكون أحكامهم خاضعة لمحاكمة عادلة، أي أنهم كانوا ينفذون ما يرونه أحكاما ضد أشخاص يعتبرونهم مذنبين.
هذا بالضبط ما كاد يحدث في فاس الأسبوع الماضي. سكان هائجون وغاضبون في حي شعبي فقير، اكتشفوا أن إمام مسجدهم الأعزب استضاف فتاة في بيته، فاجتمعوا وقرروا أن يطرقوا باب الإمام لكي يخرج عندهم ويخرج الفتاة. طبعا، لم يكونوا يريدون إخراجه بغرض مطالبته بشرح العلاقة التي تربطه بهذه الفتاة، وإنما كانوا يريدون رأسه. وربما لو كان غامر بالخروج لوقع له ما وقع للمواطن المصري الذي علقه سكان قرية لبنانية على أسلاك الكهرباء بعد أن قطعوا جهازه التناسلي وعلقوه بجانبه، بعد شكوك حول تورطه في جريمة اغتصاب فتاة وقعت في قريتهم.
لحسن حظ الإمام أنه انتظر حضور رجال الأمن لكي يخرج من بيته، لكن هذا لم يمنع السكان الغاضبين من رجمه ورجم سيارة الشرطة التي أقلته هو ورفيقته نحو مخفر الأمن.
عندما سيمر الإمام ورفيقته أمام القاضي سيحكم عليهما معا بستة أشهر حبسا نافذا بتهمة الفساد. مع أن وجود امرأة في بيت رجل بدون توفر حالة التلبس لا تكفي لإثبات جريمة الفساد. لكن الستة أشهر التي نطق بها القاضي في هذه النازلة كانت الطريقة الوحيدة الكفيلة بإخماد غضب السكان الهائجين ضد هذا الإمام «الزهواني».
تكشف هذه النازلة عن مجموعة من المؤشرات الاجتماعية المقلقة التي لا يجب المرور عليها دون التوقف قليلا عند دلالاتها.
يبدو أن الجميع مدعو إلى استحضار شيء مهم وهو أننا نعيش في مجتمع وليس في غابة. ولذلك، فإن دولة القانون تفرض على الجميع ألا يطبقوا القانون بأيديهم وألا ينزلوا العقاب ببعضهم البعض، لأن الجهة الوحيدة المخولة قانونيا بإنزال العقاب هي القضاء.
وأي مواطن يرفع يده لكي يعاقب مواطنا آخر، مهما كان الجرم الذي ارتكبه هذا الأخير فادحا، يستحق أن يحكم عليه بتهمة الاعتداء على حرمة القانون. إن الطريقة المثلى للتعبير عن امتعاض جيران الإمام من تصرفاته، كانت هي الذهاب عند كاتب عمومي وتحرير شكاية ضده ووضعها لدى مركز الأمن. وإذا تكاسل الأمن في القيام بواجبه، فأمامهم وكيل الملك. فهؤلاء هم المخولون باستدعاء الإمام ومساءلته عن طبيعة الإزعاج الذي يشكله بالنسبة إلى السكان، أو عن طبيعة العلاقة التي تربطه بضيوفه.
أما أن يتجمهر ثلاثة آلاف مواطن للمطالبة بإخراج مواطن أعزل من بيته للاقتصاص منه، فهذا شيء يبعث على الخوف حقا. فمثل هذه الوقفات الاحتجاجية لا يتم تنظيمها حتى عندما يتعلق الأمر بالاحتجاج على فواتير المياه والكهرباء الباهظة أو الطرد الجماعي من المساكن أو غرق السكان بسبب الفيضانات.
ويمكن أن يكون السكان قد أحسوا بالإهانة لكون الإمام الذي يصلي بهم يدير حياته الشخصية بطريقة غير تلك التي ينصح الناس بها في المسجد، لكن هذا لا يبرر رجمه وهو داخل سيارة الأمن.
ما قام به الإمام يمكن أن يكون جنحة، لكن ما قام به هؤلاء الذين رجموه بالحجارة اسمه جريمة الشروع في القتل.
وإلى الآن، لم نسمع أن الأمن حرك المتابعة في حق كل الذين رجموا الإمام داخل سيارة الأمن، ما سمعناه هو الحكم الذي أصدره القضاء في فاس ضد الإمام ورفيقته بستة أشهر حبسا نافذا.
وإذا كانت لهذه الواقعة المؤسفة من مزية فهي كونها أماطت اللثام عن الوضعية الاجتماعية المخجلة لرجال الدين داخل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
ولعل أول شيء يجب الانتباه إليه هو أن هذا الإمام الذي حكم عليه القضاء بالحبس أعزب. ونحن نعرف أن أحد شروط ممارسة الإمامة لدى الوزارة هي أن يكون الإمام متزوجا، دفعا لكل شبهة. في حالة هذا الإمام، لم يتم احترام هذا الشرط. من سيحاسب الوزارة، إذن، على هذا الخرق؟
ثانيا، عندما تصرف الوزارة للأئمة رواتب مخجلة تتراوح بين 1000 و1500 درهم في الشهر، فإنها تدفعهم قسرا إلى البحث عن السكن داخل أحياء فقيرة كذلك الحي الذي يسكن فيه إمام فاس. وبرواتب هزيلة مثل هذه التي تصرفها أغنى وزارة في المغرب لأئمتها، لا يستطيع أي إمام أن يتزوج ويكون أسرة ويسكن في مكان يحفظ له كرامته البشرية.
الحل الوحيد بالنسبة إلى أغلب هؤلاء الأئمة هو السكن في أحياء يفتقر سكانها إلى أبسط شروط العيش الكريم. وقد كان أولى بهؤلاء الثلاثة آلاف من السكان الغاضبين أن يحتجوا أمام مجلس المدينة من أجل تجهيز حيهم بالبنيات الأساسية الضرورية للحياة الاجتماعية لأبنائهم، لكنهم فضلوا أن يبددوا جهدهم في الاحتجاج أمام بيت إمام غامر باستضافة فتاة، مع أن بيوت الدعارة منتشرة في كل الأحياء الشعبية والراقية، ومعروفة من لدن الجميع والناس يمرون عليها بالغدو والآصال، لكن يبدو أن هذا لم يعد يزعج أحدا، بما في ذلك السلطات التي أصبحت تغمض أعينها عن هذه التجارة الرائجة.
مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في اختيار أئمتها ومؤذنيها ووعاظها مسؤولية كبيرة. كما أن إصلاح أحوالهم الاجتماعية أصبح ضرورة قصوى بالنظر إلى انخراط هؤلاء في المحافظة على الأمن الروحي للمغاربة. ومثلما عرفت الوضعية المادية لرجال الأمن الذين يحافظون على أمننا الجسدي تحسنا ملحوظا، فإن رعاة أمننا الروحي يجب أن تعرف وضعيتهم إصلاحا شاملا أيضا، خصوصا وأنهم يشتغلون مع وزارة تعتبر أغنى وزارة في المغرب بفضل أملاكها التي لا يستطيع إحصاءها حتى وزير الأوقاف نفسه.
وبالنسبة إلى اختيار وزارة الأوقاف لبعض المؤذنين لكي يؤذنوا في الناس بالصلاة، فأنا صراحة لا أعرف المقاييس التي تستند إليها الوزارة من أجل اختيار بعضهم. وكثيرا ما نسمع خلال مواقيت الصلاة أصوات مزعجة تنطلق من حناجر كأنها المناشير. فتبعث في نفسك الرهبة عوض السكينة، وتنفرك من المسجد عوض أن تجلبك إليه.
عندما يرتفع الأذان في القاهرة يأتيك كل مؤذن بصوته الرخيم الخاص وترنيمته المميزة، وعوض أن تختلط أصوات الأذان تمتزج في عذوبة ويرسلك صوت إلى آخر في تناغم وسلاسة.
هنا في بعض المساجد عندما يرتفع الأذان تشعر وكأن أحدهم يكسر الزجاج في أذنيك. لا صوت رخيم ولا احترام لمخارج الحروف ولا ترنيم، كأنما يصرخون ولا يؤذنون. كما أنه ليس هناك توحيد للأذان، مما يفسح أمام كل مؤذن المجال لإبداع ألحان ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد اختار الرسول الكريم بلالا لكي يؤذن لأنه كان ذا صوت جميل. ولذلك فجمال الصوت شرط أساسي للأذان في الناس. وكل من أراد أن يعتلي الصومعة لكي يؤذن يجب، أولا، أن يقف أمام لجنة مختصة من الوزارة لكي تختبر صوته.
وإذا كانت أصوات هؤلاء المؤذنين المزعجة مقدور عليها بالنهار، فإن المشكلة هي عندما يؤذنوا بصلاة الفجر، خصوصا عندما يزيدون في «البوق» لإيقاظ الناس، مع أنهم يعرفون أن من يريد أن يقوم لصلاة الفجر لا يحتاج إلى صوت المؤذن لكي يوقظه وإنما «يعمر» ساعة هاتفه ويضعه بالقرب منه. أما الذين لا يريدون القيام لأداء صلاة الفجر فإنهم لن يقوموا حتى ولو أذن لهم المؤذن في آذانهم مباشرة وليس في «البوق».
وهذه مناسبة لكي يفهم بعض القيمين على بعض المساجد أن أبواقهم تؤذي الناس عندما يطلقون عبرها أذانهم بصلاة الفجر بذلك الصوت العالي. فبين الناس مرضى لا يقوون على القيام للصلاة، وأطفال وعجزة معفيون منها، وأجانب يقيمون بيننا لا يصلون أصلا. وليس هناك أي مبرر لإقلاق راحة هؤلاء جميعا، إذا كان ممكنا أن يرفع الأذان بصوت جميل وعذب ومناسب لا يخيف الأطفال.
هكذا عوض أن يظل الأذان موعدا يوميا لسماع أصوات مزعجة، يتحول إلى مناسبة للاستمتاع به وتدبر معانيه.
ومن يدري، فربما في آخر المطاف يغير هؤلاء «النعاسة» رأيهم ويستفيقوا لأداء صلاة الفجر.



التعليقات

كثير من التناقضات أخي رشيد

لا زلت أتذكر كثرت تعليقاتك على عدم تنفيذ الأحكام القضائية في هذا البلد السعيد, وها أنت اليوم تطالب من كنت تشرح لهم بأن القانون لا يطبق في هذا البلد من طرف وزرائهم - ياسمينه بادو على سبيل المثال- بأن يدعوا القضاء يأخذ مجراه.
إن ما أقدم عليه هؤلاء الناس كان رد فعل طبيعي منهم بإيمانهم القوي أن القانون لن يطبق على هذا الذي هو متهم بالفساد. و هذا لا يعني أني مؤيد لما فعلوا.

ثم أني استهجن نبرتك التي تمس أحكام الحدود التي شرعها الله من فوق سبع سموات, فالقارئ لا يستشف إلا عدم رضاك عن أحكام الله عز وجل, ولو كانت هذه الأحكام تطبق في بلدنا السعيد لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الأن حيث أصبحت الأعراض تقابل ستة أشهر حبسا - هذا إن كملت-.

ثم بالنسبة للأجانب الذين لا يصلون في هذا البلد المسلم, فما عليهم إلا جمع '' قشاوشهم'' والإتجاه إلى جبل طارق شمالا حتى لا يزعجهم أذان الفجر الذي تظنه يا سيد رشيد مؤرقا لنومهم ونومك.

وليكن في علمك لو كان الناس يصلون الفجر لوجدتهم في المساجد قبل الأذان ولما اشتكى ضعاف الإيمان من قوة بوق الإذان.

شكرا. أنا من بين الناس الذين

شكرا. أنا من بين الناس الذين يجدون صعوبة كبيرة في فهم أدان بعض المؤدنين أو متابعتهم.و أعظم من ذلك أنني لا أستطيع التركيز في خطبة الجمعة عند عدد من الأئمة بسبب ركاكة أسلوبهم و عدم و ضوح الصوت الذي يكون سببه الإمام أو مكبرات الصوت الرديئة، و كذلك بسبب فراغ الخطبة من أي مضمون.و هذا راجع إلى مندوبيات الأوقاف في اختيار الأئمة، و إلى ضعف الأجور. فأتمنى أن تؤخد هذه المهمة على محمل الجد حتى تصل الرسالة المنوطة بالمسجد للمصلين. و أريد أن أوجه الشكر بالمناسبة لبعض الجمعيات التي تسهر على تسيير بعض المساجد تسييرا جيدا.

كثير من التناقضات أخي رشيد

تبارك الله عليك على تعليقكِ لقد قلت بالضبط ما كنت أود قوله أظن أن الأخ رشيد جانب الصواب هذه المرة

harram 3alik ya akhii rachidd

يا أخي رشيد ؛حرام عليك قول<< من حناجر كأنها المناشير>>إنهم إخوانك يا أخي فهم وليسوا يهود أو ما شبه ذلك،من خلال إستنتاجي الخاص فأنت تؤيد تلك الوزيرة التي لا ترى مانعا من منع أذان صلاة الفجر فمهما كان صوت المؤذن أو القارئ ليس جيد فيجب تقديره لأنه كلام الله سبحانه و تعالى.
مع تحيات casawi.

ليس المهم ما تقوله المهم, مايعتقد الناس أنك تقوله!!

أخي الكريم سعد أظن أن الأخ رشيد وضع أصبعه على الجرح أولا هناك ضوابط لتطبيق الحدود و اذا ركزنا في المشكل المطلوب هو عدم المجاهرة بالفعل لأن الإسلام وضع شروطا صعبة إن لم نقل مستحيلة أولا أربعة شهداء يشهدون برؤية للزانيَين، ولا تُقبَل شهادة المرأة، وضرورة التأكد من شخصية الزانيين، ورؤية الفعل تفصيلاً وفي وضح النهار و تلجلج شاهد واحد فقط يسقط حد الزنا و يوقع حد القذف بالثلاثة الباقين كما حدث مع عمر بن الخطاب حين أسقط الحد عن المغيرة و هنا نلاحظ أن الزنا حرام و الحد هو للمجاهرة به و لا أظن أن أحدا من الثلاثة آلاف شاهد الزانيين…و فيما الآذان كذلك هو محق رأيت قصة ملاكم بريطاني تأثر لسماعه الآذان في عطلة قضاها بتركيا فأسلم فيما بعد لا يجب إغفال كل هذا و الأخ رشيد لم يقل بإيقاف أذان الفجر لعدم إقلاق راحة الأجانب بل قال يجب أن يكون صوت المأذن جميل و قوة المكبر مقبولة لأن سكون الفجر يتيح لنا سماعه ولو كنا بعيدين عن المسجد و يبقى هذا مجرد رأي و السلام./.

ilyass-5@hotmail.com لم أرد

ilyass-5@hotmail.com لم أرد التعليق ولاكن أجبرتني ياأخي في الحقيقة الإمام ليس دنبه أتفق معك أنه كان لوحديهما في المنزل ولاكن ماذا كان يفعلان الله أعلم حتا إذا إفترضنا أنهما كان يزنيان هل تعتقدون أنه ذنبه ???¿¿¿ باطبع لا لأن كل الذنب يرجع لوزاة الشؤن الإسلامية هل ترى ياأخي هل المبلغ الذي دكره رشيد نيني كافي طبعا إذا كان يحصل على 3000dh لم يكن ليفعل دلك (أوحد عباد الله لرجموه بحال الشيطان زعم مكيعرفوشي ديارديل دعارة فين جو حدوك مجبروش الغلب عليهوم ولا حلال عليهم وحرام عليه) ولو كانت فتحت الفرصة أمام الذين رشقوه بالحجارة لفعلو ما فعل.أما بنسبة للأذان فقد بالغ الأخ رشيد بعض الشيئ ولاكن يجب أن يكون هناك رقابة وإمتحانات في الصوت (و الله يهدنا ويهدي الجميع ) ولم أقصد أي إهانات وشكراً